المهمشون.. كسر القيود لا يحجبها المجتمع فالانعزال يكمن في أعمال عالمهم

فبراير نت/ كتبه: تقوى القاضي

‎لا ينبت الأمل من تلقاء نفسه إنما يستزرع ويعتنى به حتى يزهر وشروط الواقع لا تتغير بقفزة من خيال، فهل هم بحاجة إلى سحر لتغيير عالمهم أم أن القوة والمثابرة التي يحتاجونها كامنة في داخلهم؟ هكذا نبدأ حديثنا عن المهمشين في اليمن والذين نعرّفهم بأنهم مواطنين يمنيين يتميزون عن أغلبية سكان البلاد بملاحمهم الأفريقية وبشرتهم السوداء ويشكلون ما نسبته 12% من إجمالي سكان اليمن، وفق اخر تعداد سكاني في العام 2004. هم ليسوا أقلية عرقية بل هم جزء أصيل من المجتمع اليمني ولهم حقوق المواطنة الكاملة؛ وبهذا فهم لا يحتاجون إلى قانون خاص؛ فهم يعاملون كأي مواطن يمني غير أنهم ارتضوا أن يعيشوا على هامش المجتمع، ويلاحظ من يزور أحياء المهمشين في مختلف محافظات الجمهورية أنهم يجتمعون في أحياء معزولة رافضين الاختلاط والاندماج مع المجتمع، والعيش في المناطق المختلطة وتتصف التجمعات بمنازل تتراص بشكل ضيق غير منتظم، غالبها مبنٍ من الصفيح والأخشاب، وفي البيت الواحد المكون من غرفة أو غرفتين تتزاحم أجساد عشرات الأطفال يقضون معظم وقتهم في الأسواق والأماكن العامة، وفيها تتكون ثقافتهم وتتشكل قناعتهم المبنية غالبا على العمل مقابل أجر زهيد.

‎يلجأ الكثير من هؤلاء الأطفال إلى امتهان التسول على أبواب المساجد وفي الطرقات كوسيلة سهلة للكسب في ظل غياب المحاسبة والتربية الأسرية؛ فالطفل قد يؤوب إلى منزله بحفنة من المال تعتبرها الأسرة موردًا جيدًا لتحسين دخلها.

‎وبالعودة إلى الحديث عن تكوين مجتمع المهمشين نذكر هنا محاولة الحكومة ببناء مجمعات جديدة حضرية وإزالة تجمعاتهم العشوائية ففي العام 2005 قامت الحكومة اليمنية ببناء واحدة من أكبر المدن السكنية في العاصمة والتي عرفت باسم “مدينة العمل” وتسليمهم منازلاً وتوفير الكثير من الخدمات التعليمية غير أنهم غادروها وقاموا ببيع منازلهم ليعودوا للتجمعات الخاصة بهم وامتهنوا التسول.

التعليم والمهمشين

‎يتجاهل من يقول أن المجتمع هو السبب بجهل هذه الفئة؛ فوفقا لدراسة أجرتها اليونيسيف ضمن تقرير الاحتياجات في العام 2019، أن نسبة الأمية في أوساطهم حوالي 90 في المئة رغم ظهور العديد من المبادرات الاجتماعية نذكر منها واحدة “أساس لتنمية ودمج المهمشين في المجتمع”، والحد من تسربهم من المدارس. ومن المعروف أن التعليم على مر العصور هو مصدر الأول للتطور والرقي لأي مجتمع، وهنا تجدر الإشارة إلى التأكيد بأن سبب عدم رغبة هذه الفئة في إلحاق أبناءها بالمدارس هو عدم امتلاك وثائق وشهادات ميلاد رغم سهولة الحصول عليها وبحسب إحصائية لليونيسف بأن 9% فقط من المهمشين يسجلون أطفالهم عند الولادة فضلا عن عدم امتلاك المهمشين لوثائق إثبات الهوية، ما يشكل عائق أمام التحاق أبنائهم بالمدارس، في حين أن بعض أولياء الأمور المنتمين إلى هذه الفئة يسحبون أطفالهم من المدرسة للعمل معهم في أعمال دونية. ما يؤكد حقيقة انعزال المهمشين أنهم لا يريدون النهوض بحالهم، وهناك الكثير من الأسر التي تنتمي لفئات أخرى واضطرت في فترات من حياتها العيش في فقر مدقع والعمل في أعمال دونية مع مواصلة تعليم أبنائها حتى الوصول خطوة بخطوة إلى تطور ملحوظ وأعمال افضل. ولنا من الاسماء التي لمعت الكثير نذكر منها راحيل المرزوقي ونعمان الحذيفي الذين واصلوا تعليمهم حتى وصلوا إلى سلم الشهرة في اليمن أما في العالم فالأسماء كثر ولا يتسع المقال لسردها.

إن كل الممارسات ضد المهمشين ليست ممنهجة بل هي نابعة من أهواء شخصية والقانون يقف ضدها، ولو ظهرت قضية رأي عام حول هذه الممارسات لتوقف الممارسون لها عن عملها في أقرب وقت.

‎نختم بتأكيد أقوالنا حول سبب عزلة أي فئة هو رغبتهم بذلك بمقولة لنيلسون مانديلا: “إن المرء يصل في لحظة معينة إلى الإيمان بأن مصدر الظلم لم يعد في الخارج بل في داخل نفسه