أحزان كلب

فبراير نت/ كتبه: بشرى المقطري

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنهُ حين يَقف في باحة الحي كحارس يقظ، لا يعرف أين تنتهي حدود المدينة وأين يبدأ سور المقبرة.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن نُبَاحه لم يعد يُخيف أحد، إذ يفكر بأنهُ فقد وقعهُ السحري في آذان المارة وعمال النظافة والمُشردين والهائِمين على أحلامِهم، حيث يتجاهلون نُباحهِ، لأنهم لم يعودوا يُميزون وجوه اللصوص الكثيرة، ولأن الخائفون الذين حَملوا أشياءهم ورحلوا احتموا بالجبل.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنهُ جائعُ مثل ليالٍ كثيرة قضاها هنا، وأن أمعاءهُ التي تصر الآن، تُفقدهُ القُدرة على التركيز في أشياء يظُنها مهمة، ولأن العَظْمّةَ التي كان يسيلُ لها لعابهِ أخذها الصيادون في طريقهمِ لنصب فخاخ للُصُوص.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن الكِلاب الكثيرة التي عبرت الجسر فجر أمس لم تحرس المدينة، ولأن الكِلاب الكثيرة التي تتجول كقطيع شارد، تُخيفه وقع أقدامها، التماع عيونها من الجوع، الطريدة التي تختبئ من عين صيادين؛ ثم أنهُ حين يراها في غزواتها اليومية في محطات الباصات وبراميل النفايات، أو حين ترفع أذيالها لأعلى متحفزة للهجوم، لا يعرف نفسه كواحد من سلالات الكِلاب، إذ لا يُشبههم الآن، هو واحد، لا قطيع، ولأن الكِلاب الكثيرة التي لم يعد يُميز أصحابها حين تقاطرت على الحي من بوابات المدينة لحست كل العَظْمّات التي كان يُحبها، وأكلت ما تبقى من فضلات الطعام، ثم لوثت مكانه، هناك في مدخل الحي، حيث كان يُحب هز ذيلهِ والنُبَاح على ضوء القمر.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن ضوء القمر الذي ينسكبُ الآن على سقوف البيوت الواطِئة والدكاكين الفارغة والخُطى التي جففتها شمس النهار، شاحباً كالحزن الذي رآه في عين سيدهُ في المساء الأخير، وهو ما يجعله يفكر بأنه وحيد الآن وبلا أصدقاء.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن الرجل العجوز، طيب القلب، الذي كان يراهُ في تجواله قُرب سوق القات[i] اختفى، ومن حينها لم يعد يُمسد على شَعْرهِ أحد، ولأنه حين اقتفى أثر رائحتهِ في طرقات المدينة، لم تقدهُ الرائحة إلى عطانة الجلد العجوز، إلى ملوحة القيض وتربة الأرض التي تنضح من ثيابه التي يعرفها كما يعرف الآن جوعه، لذلك أدرك ان الرائحة أحياناً لا تقود لدرب الحقيقة، وأنها تخدعك إِن لم تُكن من دماء ذئب.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنهُ ليس شرساً بما فيه الكفاية لينشُب أنيابهُ في أجساد اللُصُوص الذين يهيمون الآن في ليل المدينة كالظافرين، ولأنهُ حين يَمُر بِهم كل يوم، يتذكر أنيابه القصيرة التي فقدها في صِراع قديم على عَظْمّة يابسة.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنهُ لم يجد من يلعب معهُ في نهارات المدينة، إذ أن الأطفال الذين ولِدوا في الحرب، قبل ستة أعوام من هذا المساء، لا يُحبون اللعِب، خبئوا دُماهم في خزانات أمهاتهم، ثم قرفصوا أمام النوافذ وفي أسطح المنازل في انتظار خُطى الأباء الغائبين علها تطرق الحي. أحياناً كان يحاول إخراجهم من انتظارهم الطويل، مثلاً: كأن يرفع ذيلهُ ويهزه ويمد لسانه ليبدأو اللعِب كما يفعل في أوقات المسرات، أو يقفز متخيلاً لُعبة الحَبل التي كان يلعبها مع الصِبية الذين ذهبوا للحرب، لكن الأطفال المهمومين بأشياء لا يعرف عنها شيئاً يهزون رؤسهم غير آبهين لتشقلباته، ولأن أصدقاءه الذين كانوا يوماً أطفالا ذهبوا للحرب، وتركوه وحيداً، وكان كلما سمع نُواح أمهاتهم ينبُح: سلاما لأرواحكم.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن المدينة التي تنام على رُعبِها صامتةُ الآن، إذ لا يتذكر الكلب أشياء كثيرة حدثت في هذه المدينة، مثلاً: أن المياه التي كانت تملأ البئر، ويُحب أن يرى وجههُ هناك حين يمر ليشرب، غيرت وجهتها في اتجاه الشمال، وأن الرجال المسنون الذين كانوا يجلسون في عصارى المدينة في دكاكين الرصيف المقابل للمقوات[ii]، وأحياناُ قد يمسدون شَعْرهُ، قُتلوا قبل سنوات من الآن، وأن النساء اللاتي كن يتزين لأزواجهِن القادمين من النهار، مللن الانتظار في الطريق الذي لم يأتِ منهُ أحد، لذا أغلقن أبوابهِن على الريح والأمنيات وعطر قديم، وأن حرب جرت هنا، حين كان جرواً صغيراً، وكان الرصاص الذي يئز من فوهات البنادق والسطوح يقتُل العابرين، وأن انفجارات الصواريخ التي تطلقها طائرات من خلف زر، وتهز سماء المدينة، دمرت في طريقها كل شيء. لا يتذكر الكلب أشياء كثيرة حدثت في هذه المدينة، لأن مساءات الحرب الكئيبة متشابهة، إذ لا شيء يكبر الآن إلا الموت ودوي المدافع والصواريخ وأزيز الرصاص، إذ لا يتذكر الكلب أن البيوت التي طالما نام تحت ظلال جدرانها لم يعد يقطُنها أحد، لقد نزح العابرون والوافدون، والقرويون والحزانى والمبتهجون والأذكياء الذين يعرفون كل شيء، لكن الموتى الذين يحملهم رجال غلاظ، وأمهات وزوجات يبكين في أعقابهم، ظلت قوافل تأتي من كل الجهات، ثم يدفنون في مثل هذا المساء.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنهُ لم يكن وفياً كفاية لينبُح ويحمي سيدهُ من الموت، لأنهُ لا يعرف كيف يمكن أن يُغير النُبَاح القدر، ولأنهُ لم يعد يؤمن بشي، مثلاً: أن النُباح الكثيف كهكذا في صوت طويل وممتد قد يفضي إلى حل.

يتذكر سيدهُ والحياة التي كانت تجري في منزلهما القديم الذي كان يحميهما من العراء، مثل أشياء تطفو في رأسه الآن، مثل العَظْمّة التي أحبها والتي أخذتها الكِلاب الكثيرة، والرجل العجوز الذي اختفى، والأطفال الذين يلعبون لُعبة الحرب، مثل أنه تمنى يوما ما أن يُغلق صندوق باندورا[iii] ليوقف تدفق شرور الحرب، مثل أنه حين كان يقرأ سيدهُ “مملكة هذا العالم[iv]”، يحسد “ماكندال الماندنغي” لأنه يستطيع أن يتخفى في هيئات جسدية كثيرة، طير، أفعى، حشرات، زواحف، وفي أجساد بشرية، وكان يحلم أن يكون مثله، ويختفى في أجساد كثيرة أحبها، ومثل حين كان يسمع سيدهُ يغني في مقيله العامر بالحب، “يا ذيب يا اللي من الداير عويت[v]”، يريد هو الآخر أن يعوي من الحزن.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأن موعد نومهِ حان منذ وقت، ولم يجد مكاناً يريح فيه جسده، لأن اللُصُوص الغُرباء وهم يمرون في المدينة أخذوا كل شيء: أعمدة الإنارة التي كانت تُضيء المدينة، الماء في البئر، ضوء القمر، الحبوب في المخازن، أرغفة الخبز من المخابز، حسنات المنظمات، أقفال المنازل الفارغة، أحلام النساء اللاتي ينتظرن أزواجهن الغائبين، القدور التي طبخت فيها أمهات محبات لأطفالهن وجبة العيد، أسِرة الأطفال الذين كانوا يلعبون معهُ وذهبوا للحرب، كتب سيدهُ التي يحب أن يقرأها في المساء، لقذ أخذوا كل شيء، ولم يعد هناك ما يحرُسهُ الآن.

الكلب حزينُ هذا المساء، لأنه لم يكن حارساً جيداً ليعرف متى تغير كل شيء في المدينة، ربما حين عبر الحدود الطُغاة والغُزاة واللُصُوص والسحرة المتنبئون وضاربو الدُف ونافخو المزمار ولاعبو الخِفة والمهرجون والحُواة، والذين يشربون ماء الزنجبيل مع الهيل، والنخاسون، والمداحون، والقصابون الذين يُخبئون لحمهم حين يُمر، وأبناء الطيرمانات[vi]، وأخوة الغُزاة المحررين، والنمامون الذين لا يفعلون شيء، والكسالى الذين يندُبون حظهم، والمستجرون قاماتهم، والكِلاب الكثيرة والصيادون، ربما حين بحث عن عَظْمّته ولم يجدها، ربما حين باتت المدينة هي المقبرة؛ لكنهُ الآن لا يتذكر كيف بدأ كل ذلك، لأنهُ كان جرواً صغيراً وظن حينها أن الحياة أمامه، وأنه سينبُح كثيراً ليجد الحب، لكن حتى وإن فقد نُبَاحه وقعه السحري في آذان الآخرين، فإنهُ لا يُحب أن يكون حارس المقبرة.

هو حزينُ هذا المساء، لأن الأصوات تلاحقه أينما ذهب، ولأن الساعة الحائطية المُعلقة على الجدار القديم في المنزل الذي كان يعيش فيه مع سيدهُ، والتي طمرت تحت انقاض حرب لا زالت تدوي في جنبات المدينة، دقت الآن ثلاث مرات دون أن يصحوا الموتى الذين يُحبهم، أو يعود الغائبون، أو حتى ينتبه لها أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.