في حوار خاص.. أ. نبيلة الزبير: ثورة فبراير أتت نتيجة انسداد سياسي وحوار فاشل استمر عشر سنوات بين النظام الحاكم والمعارضة

فبراير نت| خاص- حاورها: أبها عقيل

الثورات زخم كبير ومعطيات كثيرة، وأحداث متشابكة مختلفة ومتشابهة؛ لذلك تكثر التأويلات والتحليلات بوعي وبدون وعي على تلك الحقبة، ونادراً من نجد أشخاصًا يكون لديه نظرة شاملة  حتى وإن كان محضر ليقوم بهذا الدور، اليوم لقاؤنا كان مع إحدى الثائرات الأوائل بثورة فبراير، ورئيس فريق ”قضية صعدة“ بمؤتمر الحوار الوطني الشامل، الأستاذة ”نبيلة الزبير“؛ لتروي لنا مشاهداتها عن ثورة فبراير.

وقد ابتدأت هي الحديث عن مسببات فبراير قائلة:
”أولًا وصلنا في 2009م إلى انسداد سياسي، حيث كانت الأحزاب السياسية قد دخلت مع الحزب الحاكم ”المؤتمر الشعبي“ بحوار لمدة عشر سنوات, الحوار الذي دائماً كان يعلق ويستأنف ويفشل، وفي عام 2009 تأجلت الإنتخابات البرلمانية بسبب فشل الحوار بين النظام الحاكم والمعارضة وكنا واصلين واصلين للثورة.

الانسداد السياسي ظهر جلياً بعد ظهور ملف التوريث، الأمر الذي صعد من الخلاف وأوصله إلى طريقٍ مسدود، وحتى حروب صعدة كانت نتاج لهذا الانسداد السياسي، حيث أراد ”علي صالح“ شغل الجميع بحروب مذهبية (سنة وشيعة)، أعادت مسميات زيود وشوافع إلى الواجهة والغرض الأساسي منها هو شغل الناس بالحرب بينما يتفرغ هو للحكم والتوريث.

في 2010 البنك الدولي أعلن أن اليمن دولة فاشلة، وأكد على هذا الدكتور المرحوم عبدالكريم الإرياني، والذي كان وقتها أحد أعمدة النظام، أكد ذلك في إحدى لقاءاته الإعلامية وهو كذلك من صرح بأن الأمر لم يعد يحتمل السكوت.

هذا الوضع الذي كنا فيه 2010 بينما كان هناك العديد من الملفات العالقة منذ التسعينات وما بعدها.

فمثلاً، صندوق النقد والبنك الدولي فرضا حزمة إصلاحات زادت الأمر سوءاً، فبدلاً من أن يفرض إصلاحات بهيكلة النظام نفسه؛ لتحجيم الفساد عن طريق معالجة الإختلالات المالية، قام بوضع شروط أخرجت نسبة كبيرة من قطاع العامل الأمر الذي كان له مردود سلبي على الشباب والعمال بشكل عام.

–  أوَلم يحاول البنك الدولي الوقوف مع اليمن طالبًا تصحيح الوضع مقابل خفض الفوائد؟

 في 2014 دخلت البنك الدولي في نيويورك “شارعتهم” أنه عندما أتيتم لعمل إصلاحات الهيكلة الاقتصادية، وطرحتم حزمة إجراءات التي  منها ”ملاحقة الفساد من رأس الهرم“، لماذا لم  تتابعوا  تنفيذ هذه الشروط، بينما تم الإطاحة بقطاعات إنتاجية عريضة والقطاع المختلط، الأمر الذي تسبب بتشريد الكثير من الناس، لماذا لم تتخذوا موقف ضد الفساد الذي حصل وقبلتم بهذه النتائج.

كل هذه الظروف راكمت المعاناة الاجتماعية منذ التسعينات وبعدها جاءت تراكمات حرب 94 والملف الجنوبي والانتفاضات الشعبية 2005، وحراك الجنوب 2007، والحراك التهامي (وفي الأيام الأولى من الحوار الوطني، طالعتنا محافظات عديدة من شتى أنحاء اليمن، بملفات مظلومية تخصها، كمحافظة مأرب وسقطرى وأبناء المناطق الوسطى.. الخ).

 كل هذا وغيره كان الأرضية التي أنضجت أسباب ودوافع الخروج الشعبي العظيم.

  أستاذة نبيلة، هل هذا معناه أن ثورة 11 فبراير امتداد للحراك السياسي اليمني؟

ما من شك أن الشباب كان لهم الفضل بخروج الناس كلهم. ففي يوم 3 فبراير خرجت أحزاب المشترك للساحات، لكنه كان خروجاً منظمًا ومهذبًا نسبياً، وكأنه كان تحذيرًا للنظام بأن الثورة آتية آتية، فتعالوا لكي نتفق ولم يتفقوا. وانتهى خروجهم بذهاب بعضهم لنتاول وجبة الغداء في التحرير، التي كان علي صالح قد حجزها بعد ثورتي تونس ومصر، الأمر الذي أثبت أن الأحزاب اسنتفذت كل الوسائل السياسية الاعتيادية المعروفة في كل العالم وهو الشيء الذي جعل الشباب يتجاوز الأحزاب وتحاذقهم السياسي ويأخذ زمام المبادرة بما في ذلك شباب الأحزاب.

 وقتها أسسنا مجموعة “معا نحو التغيير” فيها شخصيات مدنية ذات تاريخ نضالي، وكان همّنا كيف نحمي الشباب، لأن وقتها كان الحراك عبارة عن مسيرات راجلة ثم يتفرق الشباب  ويتعرض الكثير منهم لحملة ملاحقات وكان من ضمن ما فكرنا فيه أنه لابد من إيجاد مكان، وغطاء إعلامي لحماية الشباب أولا، وضمان عدم تعرضهم للاعتقال والتنكيل دون أن يسمعهم  أحد.

تم التواصل مع توكل كرمان والطلب منها الكف عن المسيرات الراجلة خاصة التي لم يتم توثيقها وفي مرة تم اعتقال خمسين شابا، وتوجهت بلقيس اللهبي والخيواني بتكليف من مكون (معا نحو التغيير) للمتابعة بعد الشباب وضمان إطلاق سراحهم ووافقت بعدها توكل بأنه لابد من مكان، وأعلمنا بأن المكان الذي تم اختياره هو عند الجامعة وراسلتني بلقيس بأن هذا خيار الشباب ويلزم احترامه.

–   اختيار مكان محدد، ألم يجعل الثورة حبيسة كيلو متر ؟

هي كانت أول كيلومتر كرامة “مرحباً بك بأول كيلومتر كرامة” لكن ليس صحيحاً أنها كانت حبيسة، بل هبّت في كل محافظات اليمن تقريباً، وأنا كنت حتى الأمس أظن أنها انتشرت في 17 محافظة وكنت دائماً أكرر هذا الكلام إلى أن التقيت بناشط سياسي جنوبي واتضح أنه لا، فالمحافظات التي كنت استثني ذكرها من الخروج مثل حضرموت والمهرة وسقطرى كلهم خرجوا وأن المحافظات كلها هبت بالثورة.

وبالعودة إلى المكونات التي دخلت الثورة نحن تحدثنا عن يوم 3 فبراير وتحرك الأحزاب الذي كان على أمل التفاوض مع النظام، لكن  يوم 20 مارس وقف ممثل المشترك في المنصة وأعلن التحام  الأحزاب بالشارع والتزامها بخيار الشعب وقدم المشترك نفسه كحامل سياسي للثورة.

–   أستاذة نبيلة، هل ترين أن هذه خطوة موفقة مقارنة بمصر وتونس التي نأت فيها الأحزاب عن الظهور بواجهة الثورة أو حتى فيها؟

في وضع مثل اليمن كان لابد من قيادة، وقيادة معتبرة، ومش قيادة للثورة لكن قيادة للحل السياسي الذي كنا بحاجة إليه، كان لابد من وجود حامل سياسي يتحمل مسؤلية المآلات وأنا الآن حالياً أحمد الله أنه حدث هذا التدخل من الأحزاب، لأنه عندما تحولت المسالة إلى مبادرة وشغل سياسي أصبح معنا من نحاسبه ونلزمه، فأنت قدمت نفسك كحامل سياسي وبعدين رحت فين “انا ثورتي في رقبتك يا مشترك” .

–   ماذا لو تركت الثورة للشارع بدون الأحزاب؟ ألم يكن أفضل؟

اليمن ضروفها مختلفة وليست كبقية الدول مثل مصر وتونس وغيرها من الدول العربية في اليمن هناك العديد من المتنفذين والفاعلين على المستوى المحلي والإقليمي والذين قد يشكلوا ثقلاً معيقًا في مسار الثورة ومآلاتها من هنا كانت الحاجة لقيادة سياسية للمرحلة التالية من الثورة.

     هذا عن الأحزاب، ماذا عن المكونات الأخرى؟

 المتنفذون وبعض المشايخ اللذين دخلوا للساحة وأتحدث هنا عن المشايخ وليس القبائل، فالقبائل كانوا قد انضموا كأفراد أو تجمعات بدون مشائخهم، دخلت خيمهم في الساحة وتشاركنا الآراء فيما يخص المرحلة وأهمية السلمية وكانوا يتفاعلوا بشكل مدهش، ومن ثم تبعهم المشايخ للساحات ومنهم من كان ولاؤهم الفعلي لعلي صالح، فهم بدون كتلتهم الشعبية لا شيء ومع ذلك لحقوا بعامة الناس وهنا عظمة الثورة بأنها جعلت الشيخ ينقاد لخيار الناس كما فرضت على الأحزاب الانقياد لشبابها.

كم كبير ممن انضم للثورة هو جزء من النظام، كما كانوا خائفين من تطور الثورة ومن اتساع رقعتها ومفهومها والموضوع قريب مما حصل في سبعة وستين فكان الخوف من حدوث تسوية داخل الثورة نفسها مش العكس ليكتفوا بالإطاحة بعلي صالح.

الحوار هو الذي جسد عمق الثورة فعلاً من خلال الطروح والمقترحات والنقاشات والقرارات التي انطلقت في الأساس من داخل الساحات أما عنهم “المتنفذين” فكما دخلوا الساحة دخلوا الحوار لنفس الأسباب والدوافع.

ويعزى الفضل في الانتصار لخيار الدولة المدنية للتيارات المدنية من نساء وشباب مستقلين وحتى للأشخاص ذوي التوجهات المدنية للأحزاب نفسها.

–    هناك تهميش إعلامي لأحداث اليمن، هل هذا موجّه وإلا نتاج الصدف؟

ليس صحيحاً أن الإعلام همّش ثورة اليمن، بالعكس ثورة فبراير سجلت حضوراً وإعجابّا لكل من كل من شاهدها من خلف التلفاز من الدول القريبة والبعيدة بقدرتها على الصمود والسلمية وقد راهن البعض على أن الشعب اليمني لن يصمد كثيراً دون مواجهات لأنه بلد الستين مليون قطعة سلاح.

–   تكلمتِ عن سلمية الثورة فماذا نسمي حرب الحصبة؟ 

عن حرب الحصبة لم تكن حرب الثورة، ولا الثوار، ولا المشترك، كانت خصومات شخصية بين أسرتين بينهم تنافس دائم على السلطة والثروة، بينما نأت الثورة بنفسها عن هذه الحرب، سواء في الحصبة أو أرحب، وهنا يحسب للأحزاب وجودها الوازن في الثورة أنها لم تعر هذه الحرب إهتمام، ولم تشارك فيها وتعاملت معها بنفس المنطق بأنها حرب أسرتين، وكان (علي صالح) يريد جر الثورة للحرب، ويريد أن تحيد الحرب الثورة، لكن الثورة هي من حيّدت الحرب.

–  في العديد من دول الربيع العربي يعتبر فبراير مجدد للثقافة وتنوعت الأعمال الثقافية فيه، وعنه، هذا الشيء الذي كان شحيحًا في اليمن، هل هذا تقصير من المثقف؟

هذه الظواهر هي امتداد للحراك الثقافي الذي حدث في الساحات, ونحن في اليمن لا نريد بعد عشر سنوات من عمر الثورة أن نشتكي مما كان يحدث في المنصة، فبالبداية المنصة وأضواء الكيمرا، والمكرفون لم تكن مسلطة على كل الثوار بمختلف توجهاتهم  وبكل مشاهدهم، وبينما قام الثوار بالكثير من الاشتغالات الثقافية وبجهود ذاتية فقد رسموا على الجدران وعلقوا اللوحات وكتبوا القصائد، لكن لم يوثق لهم شيئًا، بينما ما تم توثيقه أو التوثيق لأجله هو لأشخاص بتيار بعينه  وتم توثيق ارحل، والثورة لم تكن إرحل، بل  كانت الشعب (يريد اسقاط النظام كل النظام), لكن المنصة وثقت ما تريد توثيقه وهمشت الباقي لذلك ليس صحيحا أن هناك قنوات إعلامية ودولًا دعمت الربيع العربي، بل كان دعمًا لتيارات إسلامية ولم تختلف أدوار من دعموا هذه التيارات وصدروها بمشاهد الثورة عمن جاء لاحقاً بثورة مضادة على ذمة معاداة هذه التيارات الإسلامية، وهي في الواقع تعادي وتحارب الثورة كنموذج في التغيير السلمي الذي لن يقدر على كبحه أحد، إذا ما تم تشجيعه أو حتى القبول به، وهذا مغذى دوليا ليس من قبل العداء للشعوب بالضرورة، ولكن لأن نموذج التغيير عبر الشارع لا يمكن السيطرة عليه ولا حسبان مآلاته هو نموذج مخيف، وحتى الدول التي تعد نفسها من دول الصف الأول ودول مؤسسات الخ الخ، لا تتسامح مع هذا النموذج في التغيير.

وبالرغم من أن تسليط الضوء باتجاه الحراك الثقافي في الثورة لم يكن بمستوى التطلعات لكن الثورة فرضت مفاهيمها الثقافية حتى الآن، فمثلاً في سنوات ما بعد 2011 حتى 2014 على مستوى رجل الشارع والعامة رأيت أشخاصاً يتركون أسلحتهم في المنزل ويتوجهوا للشارع للتضاهر والاحتجاج سلميًا، سواء أمام الرئاسة او البرلمان ورئاسة الوزراء، فهذا بحد ذاته تغيير ثقافي عندما يترك المسلح سلاحه ويتضاهر سلميا مؤمناً بالسلمية، حتى (علي صالح) خطابه بعد 2011 مختلفًا عمّا قبلها، فقبلها كان يخاطب الشعب من داخل المعسكرات ومن بين جنوده، فيما بعد 2011 صار يحشد أنصاره سلمياً مستخدماً نفس أدوات ما بعد فبراير.

وكذلك الشعراء والكتاب كتاب المقالات وكتاب القصة تغيرت مفرداتهم كذلك وحضرت مفردات كدنا ننساها كالوطن والشعب والحق والاحتجاج، دخلت المفردات للناس ولا زالت موجودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.