بين وطن أبي.. وجمهورية صالح

”من تفاصيل ساحات الثورة“ وهو الملف الذي يفتحه موقع فبراير نت، تزامنًا مع حلول الذكرى العاشرة لثورة 11 فبراير المجيدة؛ لتدوين الحدث الأبرز بتاريخ اليمن المعاصر.

فبراير نت| خاص- كتبه: عبدالله جعفر

عزيزي/ صدام الجابر- رئيس تحرير ”فبراير نت“- لعلك تحدث نفسك أن المقال قد تأخر أياما عن موعده ، لكني أذكرك أن الثورة المباركة كان قد تأخر موعدها كذلك رغم توافر موجباتها قبل 2011 بسنوات طوال.


سأخرج عن الفكرة التي تحدد موضوع المقال بتفاصيل ساحات الثورة وذكرياتها إلى ما قبل ذلك بعقد ونيف حيث المشهد الذي يختزل سنوات النظام السابق جميعها وطريقته في الحكم بما يمكنه من السيطرة بلاد تمت تعبأتها بالجائعين وبالكثير من الجهل، مشهد لايزال في بالي يرفض أن يمحي من ذاكرتي رغم تغير كل شيء منذ ذلك اليوم.

سأعود بالوقت قليلا للوراء، إلى العام 1999 حين كان الزمان زمن السيطرة ، واستيلاء المخلوع على السلطة بشكل مطلق بعد اكمال تصفية خصومه السياسيين الحقيقيين (الحزب الاشتراكي والناصريين قبل ذلك) ، انتخابات رئاسية شكلية ككل الانتخابات الزائفة التي تجري في البلاد العربية.

في صباح يوم الانتخابات يفترش الشيخ وحاشيته أرضية الميدان بالقرية بينما على مقربة منهم أثار وليمة أقامها حراس الديمقراطية العفاشية في الليل ، وراحوا يفتتحون مسيرة التحشيد ، بينما تتدافع نساء القرية نحو السيارات التي خصصها الشيخ المؤتمري لأخذهن إلى مراكز الاقتراع ، كان أحد مساعدي الشيخ يمسك دفترا يسجل فيه أسماء الأسر التي حضرت وأصغت لتعليماتهم بخصوص الاقتراع (بتلاقي صورة علي عبدالله صالح اعملي صح جنبها أو ابصمي) ، سينتج عن هذه العملية المستنسخة في كل قرى الوطن ومناطقه قطمة من البر في آخر النهار لكل أسرة أدلت بصوتها لصالح الذي سيكون نصيبه من (المولد) بلاد بأكملها.

في الجانب الآخر كان أبي يقف وحيدا وبعيدا عنهم إلى حد ما حاملا أمله بالتغيير وصورة للمرشح نجيب قحطان الشعبي رغم يقينه أن نتائج الانتخابات محسومة مذ تقرر اجرائها، وقفت بجواره وسألته: ليش انت حامل صورة هذا مش صورة الرئيس؟
فأجابني بابتسامة: لأن الرئيس أخذ كل شيء له وأصحابه.

بعد سنوات قليلة سيطرح أحد الأقارب على والدي فكرة سفري معه للعمل والاغتراب والدراسة في جيبوتي ، ليقف أبي في حيرة بين خوفه علي من الغربة والخوف الأشد على مستقبلي في بلاد: “لم يبق فيها صالح أي شيء لنا نحن المواطنون الفقراء”

بعد سنوات من الغربة عدت أدراجي إلى صنعاء لاستكمال دراستي الجامعية (حاملا فكرة العودة بعد استكمال الدراسة والإقامة في أي بلد آخر غير هذا البلد الذي ابتلعه صالح وآله وأصحابه ولم يبقي لنا فيه شيء)، جملة سأذكرها بمجرد قراءة خبر في صحيفة الثورة مفاده: (تأسيس لواء جديد بالجيش تحت مسمى مشاه جبلي وتعيين ابنه خالد قائدا له)
لم.يكن أبي يكذب، حاشاه!

مع فرار بن علي وسقوط نظامه في تونس ، بدأ الأمل يتقطر كالندى حلى حواف القلب ، ثلة من الثائرين الأولين تقف أما بوابة جامعة صنعاء من بينهم أحد الأكاديميين لم تسعفني ذاكرتي بتذكر اسمه الذي سمعته يصدح به وقد انبرى لمواجهة أزلام عفاش الذين حاولوا حينها تفريق الشباب على قلتهم.

في اليوم الثاني ستوبخني دكتورتنا في الجامعة لأنها رأتني هناك معهم ، بينما علي أن أنأى بنفسي عن هذا الطيش في رأيها ، لكن هذا الطيش وذاك الأمل سيتعززان مع سقوط مبارك وخروج الثوار في المسيرة الثورية الأولى.
كنت طالبا في السنة الأولى بالجامعة ، يفكر في أخذ الشهادة والرحيل مجددا ، أعمل بدوام نصفي كاد ينهيه وينهي أيامي أحد ضباط الأمن القومي حين سمعني أقول لزميلي في العمل: ارحل!

“احترم نفسك واجلس ساكت ماشي عنعرف كيف نربيك” قال لي الضابط الذي يعمل في الأمن القومي بعنجهية ، ليقايضني بالحياةوالحرية والرأي مقابل الصمت ، كما قايض قائدهم اليمنيين سنين طوال بالقطمة البر مقابل الخضوع والتسليم وكما سيقايضهم لاحقا بالأمن مقابل العودة للمنازل ، والتخلي عن الحلم الأكبر ، واللحظة التاريخية الفاصلة في حياة اليمنيين عموما ، لكننا كنا قد عبرنا النفق بأعين لم تبصر وإن كانت ترى ، حتى لمسنا الضوء الذي في آخره وخرجنا نستضيء بوهج الثورة كراما وأحرارا.

أعادت فبراير صياغتي وصياغة الجيل بأكمله، غيرت أفكاري ، وتغير خلالها طريقي وحتى التخصص الدراسي الذي كان حلما مؤجلا حتى قبل ال11 من فبراير 2011 ، حيث أعادت الثورة للإعلام روحه بعدما ظل أزلام صالح ممسكون بتلابيبه ويضيقون عليه الخناق.
أعطتنا فبراير الكثير ، وكانت الفارق الأكبر في حياة اليمنيين بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر ، والأهم من ذلك أنها أعادت لنا وطن -الوطن الذي كان عفاش قد سلبنا إياه أو “ماعاد بقى لنا حاجة فيه” كما قال لي أبي ملخصا وجع ملايين اليمنيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.