١١ فبراير بعيون شاب ريفي

”من تفاصيل ساحات الثورة“ وهو الملف الذي يفتحه موقع فبراير نت، تزامنًا مع حلول الذكرى العاشرة لثورة 11 فبراير المجيدة؛ لتدوين الحدث الأبرز بتاريخ اليمن المعاصر.

فبراير نت| خاص- كتبه: كهلان الشجاع

الحديث عن الحادي عشر من فبراير حديث بالنسبة لي لا يمكن أن أسميه إلا بداية لولادتي الفكرية وتفتق وعيي الحقيقي، وكشاب متطلع إلى كل ما يمت للجمال والحرية بصلة كنت أجد ثورة فبراير هي الملاذ والخلاص الأخير، فبراير هو شارة التميز لجيلنا بلا منازع.


من جحيم ديمقراطية الزيف والقبضة الأمنية الشديدة وجيوش المخبرين والأفاقين كان إنطلاق مارد ثورة فبراير، كنت أتابع بشغف عميق إرهاصات الثورة الأولى خلال شهر يناير في صنعاء وتعز، إرهاصات شباب اليسار في جامعة صنعاء بالإضافة إلى برلمانيين ومستقلين آخرين.


أتابع كتابات بشرى المقطري وبلقيس اللهبي، قفشات فكري قاسم في افتتاحية حديث المدينة، فتحي أبو النصر على صفحات الثوري، تصريحات عبد الباري طاهر وتقارير عرفات مدابش على راديو سوا في زاوية من بلاد جميلة بكل تفاصيلها من الثورة إلى أبسط الأشياء، أنصت بشغف مجنون لبلاد أرهقتها المدافع ونخر فيها الرصاص والبارود وفجأة أندلعت ثورة عظيمة محروسة بصلوات الأمهات وبعطر ورودها المتناثرة على الأرصفة.


كان الزمن قد توقف في ذروته وتتابعت أحلامنا كسرب حمام بري لا يريد سوى التحليق في الأعالي.


فبراير حيث كان للحلم مذاق آخر وللصباحات نكهة لذيذة، وأنا أرى الشباب قد أعادوا الوهج الجمهوري الوضاء بفعلهم الخلاق واستحضارهم أهم الرموز الوطنية والثورية من علي عبد المغني إلى عبد الرقيب عبد الوهاب إلى الحمدي إلى سالمين وفتاح إلى جار الله والبردوني وحتى تشي جيفارا ومانديلا.


وأنا في تلك القرية البعيدة اتلهف كل خميس لوصول أبي بحزمة جرائد متنوعة ومنشورات مختلفة، أنكب عليها بإندهاش شاب ريفي يحلم بكل شيء، يتدثر في مساءاته بالثورة ويلبس عباءة الشعر في الصباح، يقبّل العصافير ويهيم في المساحات الخضراء كتجلي عظيم لنشوته الثورية المزدانة بالفرح والدهشة.


أتطلع في أحد الصحف لتلك الطفلة في أحد شوارع تعز إنها عهود المعبقي بكل تفاصيلها المدهشة وعفويتها وجنونها وثوريتها المفرطة، لا أملك إلا ان أتوحد بأحلام هذه الطفلة ونظيراتها اللواتي يحصنّ البلد بأحلامهن ويصنعنّ واقعاً مغاير.


أصغي لهدير الثورة في الأفق وأشعر بالزهو وأنا أرى أروى عثمان تقاوم العسف والعسكر والمتأسلمين كمنظومة فكرية بالية داخل الثورة نفسها، أرى لأول مرة في يمن الرصاص والبنادق، المشاقر تتصدر الواجهات وأوراق الصحف والكتب تطغي على المشهد، النقاشات الفكرية والسياسية تغلب على كل شيء في الشارع والمدرسة في مجالس القات وحتى في أوساط النساء.


كان للأحلام رونق آخر، لأول مرة تصبح الخيمة رمزية ملهمة، يصبح لتساقط المطر وقع آخر وموسيقى أخرى، يصبح لفصل الربيع واجهة بديعة، تفتح الأزهار وإشراقة الثورة وخيمة أشبه بكعبة نعلق عليها أحلامنا على الضد من طغيان العسكر والمتأسلمين.


فبراير شجون كثيرة ومشاعر لا تضاهى، كم كانت العظمة تعتمر نفسي وأنا أحفظ عبارات جيفارا عن ظهر قلب وأردد أورادي الصباحية والمسائية “” الثورة حمراء كالجمر، باقية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن “، وأنا أشخبط في كتبي المدرسية مقولات غاندي ومانديلا، كل ليلة أكتب انطباعا معينا عن الواقع والثورة عن اليمن الجديد الذي سيحتضن تشردنا وغربتنا المؤلمة، وفي النهاية أزين الصفحات الأولى لدفاتري بمقولات ثورية جديرة بالإهتمام.


في البدء كان فبراير عظمة التحول وجنون أفئدة المؤمنين به، خروج عن القفص وتمرد لا يضاهى وإلى الآن لم يزل فبراير يغتلي في دواخلنا لم يكتمل بعد، وسيكتمل قريباً لا محالة.


تبقى شيء أخير، أنا مدين لفبراير بتعليمي فقه الكتابة وأبجدية الشعر، لقد تتلمذت على يد فبراير العظيم الذي علمنا أن الأحلام جديرة بالإهتمام والدفاع عنها، وأن الثورة ضرورة في وجه كل الفاشيات الدينية والسياسية على السواء.

                                                       

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.