مذكرات جارالله عمر.. ذاكرة اليمن المتوهجة

أصدرت “دار المدى” حديثًا كتاب “مذكرات جارالله عمر: الصراع على السلطة والثروة في اليمن”، يضم إجابات السياسي اليمني وأحد قادة الحزب الاشتراكي والمعارضة اليمنية، جارالله عمر(1942 – 2002)، على أسئلةٍ متنوعة طرحتها عليه الباحثة الأمريكية وأستاذة العلوم السياسية في جامعة شيكاغو ليزا ودين، حول مسائل ومواضيع متنوعة، وفّر الخوض فيها سيرة ذاتية وافية لحياة عمر، ووثيقة أساسية في تاريخ نضال الشعب اليمني، ومسيرة الحزب الاشتراكي، وتجربة المعارضة اليمنية.

يرى جارالله عمر في مذكراته أن الثورة ضد الملكية في اليمن كانت عملًا عسكريًا شجاعًا من جهة، ومغامرة من جهةٍ أخرى، لأن الكثير من المناطق والقبائل لم تكن تؤيدها

تحيط مذكرات جارالله عمر بفترة زمنية واسعة، تغطي أكثر من ثلاثة عقودٍ من تاريخ اليمن، وتشتمل على سردٍ تاريخي لأهم الأحداث والتحولات المفصلية في تاريخه، يقدمها عمر مصحوبةً بقراءة نقدية تحيط بمختلف مضامينها وانعطافاتها، وما يتصل بها من سجالاتٍ وخلافاتٍ انخرط فيها بوصفه جزءًا منها، إذ يعتبر أحد أبرز المدافعين عن صنعاء خلال حصار السبعين يومًا الذي فرضته القوات الملكية على الجمهوريين خلال الفترة الممتدة بين تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، وشباط/ فبراير 1968، بالإضافة إلى أنه أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي عام 1978، وقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية المعارضة لحكم علي عبد الله صالح شمال اليمن خلال سنوات 1975-1990، عدا عن أنه أحد أبرز المفاوضين في ملف الوحدة اليمنية.

سلّمت ليزا ودين ما تم ترقينه من مقابلاتها مع جارالله عمر، بالإضافة إلى التسجيلات الصوتية، إلى الباحث والمفكر اللبناني فواز طرابلسي، حيث تولى الإشراف على عمليات الترقين، وتحرير المقابلات، وإعدادها للنشر باعتبارها وثيقة أساسية في تاريخ نضال الشعب اليمني، وسيرة وافية لعمر الذي اغتيل يوم 28 كانون الأول/ديسمبر 2002، أثناء إلقائه خطابًا اعتبر بمثابة وصيته الأخيرة.

ولد جارالله عمر سنة 1942 في قرية تسمّى “كُهل”، تابعة لناحية النادرة في محافظة إب، الواقعة جنوب العاصمة صنعاء. ويقول في إجاباته على أسئلة ودين أنه كان يطمح إلى أن يكون قاضيًا، أو على الأقل إنسانًا متعلمًا، مثل أولئك الذين كانوا يتعلمون في صنعاء أو ذمار. ستقوده هذه الرغبة إلى كُتّاب القرية ليكمل القرآن ويتعلّم الكتابة، قبل أن ينتقل بعد عدة سنوات إلى قرية تسمّى “الجلوب” لمواصلة تعلميه، ومنها باتجاه ذمار، قبل أن يستقر به الحال في مدرسة العلوم في العاصمة صنعاء.

شارك عمر بعد عدة أشهر من دخوله إلى مدرسة العلوم، في مظاهرة نظمها الطلبة احتجاجًا على تصرفات الإدارة في المدرسة، ولكنها وكما يؤكد في حديثه، بدت إشارة إلى حالة الغليان المتصاعدة في أوساط الطلاب الذين بدوا حينها مستعدين للاحتجاج على النظام السياسي بأكمله، إذ كانت المظاهرات ترفع شعارات تطالب بسقوط الملكية، الأمر الذي دفع أجهزة الأمن لشن حملة اعتقالاتٍ واسعة، دفعت عمر لمغادرة صنعاء سيرًا على الأقدام في رحلة شاقة، انتهت بوصوله إلى مدينة عدن التي كانت حينها مستعمرة بريطانية.

أمضى السياسي اليمني الراحل أيامًا قصيرة جنوب اليمن، قبل أن يعود أدراجه إلى شطره الشمالي ليتابع من هناك أخبار الثورة التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر 1962 ضد الملكية، بعد نحو شهرين من عودته إلى صنعاء التي ستكون على موعدٍ مع معارك عنيفة، بين الضباط الأحرار والقوات الموالية للإمام، بالإضافة إلى القبائل المؤيدة له أيضًا. يقول عمر: “كنا نائمين في المدرسة العلمية في ميدان التحرير، وكان اسمه يومها “ميدان شرارة”، كنا نائمين في المدرسة على مقربة من مقر الإمام الجديد “البشائر” ويبعد 30 مترًا فقط. بعد منتصف الليل، الساعة الثالثة أو أكثر بقليل، ونحن في نوم عميق، سمعنا هدير محركات الدبابات، وبعد لحظة أو لحظات، سمعنا قصف قذائف الدبابات والمدفعية تسقط على قصر الإمام، وكانت إحدى الدبابات متمركزة عند باب المدرسة التي نحن فيها”.

ويضيف: “هنا دخلت الثورة باليمن في منعطف جديد. أقدم الثوار على عمل عسكري شجاع ولكنه مغامرة لأن كثيرًا من المناطق والقبائل لم تكن معهم، والوعي السياسي كان بسيطًا محدودًا خصوصًا في صنعاء وحولها، والتنظيمات الحزبية كانت ضعيفة. والأهم من ذلك أن بعض وحدات الجيش لم تكن مع الثورة وتحديدًا سلاح المشاة، لكن هذه الوحدات بقيت في ثكناتها ولم تتدخل لا مع الإمام ولا مع الثوار لأنها لم تتلق الأوامر فمكثت في ثكناتها ولم تتدخل، ولو تحركت هذه الوحدات التي وقفت على الحياد، لهزمت الثوار”.

غيرت الثورة مجرى حياة جارالله عمر، ودفعته إلى الانخراط في العمل السياسي من بوابة حركة القوميين العرب التي بدأت نشاطها لتوها آنذاك. ويسرد عمر تفاصيل تلك المرحلة كما يتذكرها، الأوضاع السياسية، وتطورات الثورة، ودخول القوات المصرية إلى صنعاء، سلبيات الوجود المصري في اليمن ومحاسنه، موقف شيوخ القبائل المحيط بصنعاء من الثورة، الانقلاب على المشير عبد الله السلال، وأسباب انسحاب مصر، وصولًا إلى ظروف حصار صنعاء، والدعم الذي تلقاه الجمهوريون من عدة دول عربية لفك الحصار، والصدامات التي نشبت حينها بين الجمهوريين، وانتهت بحسم القوى التقليدية للمعركة، وهزيمة القوى الجديدة، لتبدأ حينها حملة اعتقالات طالت أعضاء الحزب الديمقراطي الثوري الذي كان عمر أحد مؤسسيه.

”تقدّم مذكرات جارالله عمر قراءة نقدية لمختلف الأحداث والتحولات المفصلية في تاريخ اليمن، بدءًا من الثورة ضد الملكية وانتهاءً بقيام الوحدة، بالإضافة تفاصيل متعلقة بتجاربه الشخصية“

ومن بين ما يرويه جارالله عمر، تجاربه المتعددة مع الاعتقال، وتأسيسه الحزب الديمقراطي الثوري، وصدور قرار اعتقاله، وهروبه إلى محافظة إب، ومنها نحو عدن. ويسرد ما تختزنه ذاكرته حول الحرب بين الشمال والجنوب، وهزيمة الشطر الشمالي، ودور بعض الضباط اليساريين داخل جيش صنعاء بمساعدة قوات الجنوب على حسم المعركة لصالحها، بالإضافة إلى انقلاب علي عبد الله صالح، ووصوله إلى الحكم، وبدء المفاوضات حول الوحدة اليمنية، وغيرها من الأحداث الفارقة والمفصلية في تاريخ اليمن المتشعّب.

عن: الترا صوت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.