عبده علي عثمان.. النور الذي لن ينطفئ

فبراير نت/ عبدالباري طاهر

عالم زاهد ومفكر عضوي وعميق عمق الإنسان. من القرن الماضي رحل من قريته الصغيرة في الأحكوم إلى مدينة العصور الحديثة عدن. تلقى تعليمه الأولي باكراً. انخرط في العمل الوطني. يرتبط اسمه بحادثة المطار-تفجير قنبلة-كانت فاتحة الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني، اشترك مع زميليه قاسم سلام وعبد الحافظ ثابت نعمان. وكان الأب الروحي لهم الزعيم الوطني والمناضل الكبير محمد عبده نعمان الحكيمي مؤسس الجبهة الوطنية المتحدة هو ممن يقودون الكفاح الوطني في اليمن كلها حينذاك.
دعى وعمل وانخرط باكراً في الدفاع عن الثورة والجمهورية وشارك في الكفاح الوطني في الشمال والجنوب.
حضوره الباكر في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي وطلائعه الأولى مكنه من الإسهام في الفعل الثوري الخلاق. ما ميز بن عثمان أنه كان دائم الحضور في الفعل المشترك بين أطراف العمل الوطني وشديد النأي بنفسه عن الصراعات والمماحكات العقيمة والآتي معظمها من القاهرة أو بيروت أو بغداد أو دمشق أو من التاريخ الآثم.


عمل ابن عثمان وكيلاً للإدارة المحلية فكان مثال الاستقامة والنزاهة والكفاءة.



أذكر كيف حصل على أرضية بيته المتواضع في الصافية. قائد حزبي رائد. لا يحب الظهور. وينأى بنفسه عن الصراعات الكالحة- والتعصب الضيق من أي نوع. شارك في تأسيس المقاومة الشعبية. وكان أحد أبرز رموزها وأسهم في تأسيس جامعة صنعاء كأحد أهم علماء الاجتماع. تلاميذه اليوم كثر ونجوم تلمع في سماء المعرفة والعطاء الوطني. تلاميذه خارج الجامعة أكثر منهم داخل الجامعة. فعبده عثمان قدوة ومثل لكل مناضلي ومثقفي الشعب اليمني شمالاً وجنوباً.


كوزير في حكومة الأستاذ محسن العيني إلى جانب رفاقه سلطان أمين القرشي عجل الله فرجه من الاختفاء القسري الممتد منذ 1978 والمناضل الوطني والقائد السبتمبري أحمد الرحومي واعتقل الثلاثة حينها.
في العمل السري وبدايات العمل التوحيدي كان رفاقه يدعونه غاندي. فكان اسماً على مسمى، فعبده علي واحد من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهو العالم الذي يخجلك تواضعه وزهده الذي قل نظيره.

يرقد هذا العالم الجليل في سرير الجلطة الدماغية في مستشفى العلوم والتكنولوجيا لعدة أسابيع. ولا تتحرك الدولة التي كان أحد بناتها منذ فجر الثورة، ولا الجامعة التي كان أحد أعمدتها وعمادتها، ولا تلاميذه وأصدقاؤه، على كثرتهم. فأي جحود نعيش أو أي نكران نختزن.


الحكومة التي ترفض معالجة جرحى الثورة هي الحكومة العاجزة عن علاج عبده عثمان، وهي العاجزة أيضاً عن فهم دلالات وأبعاد التمرد العسكري الذي يقوده جنرال الحرب مؤيداً من المجلس الوطني الذي يضم كل قادة المشترك بما في ذلك الأستاذ باسندوة الرئيس الشكلي لهذا المجلس الذي نعلن البراءة من عضويته. وندعو قادة المشترك المشاركين في الحكم تحديد موقفهم من تأييد التمرد على قرارات الهيكلة الخطوة الضرورية والأساس للولوج إلى الحوار. ونطالبهم بالاستقالة من مجلس يدعو للحرب.
أما أنت يا أبانا عبده عثمان وأتعهد أن أدعوك باسمك مجرداً لأني أعرف أقرب طريق إلى قلبك هو احترام تواضعك والتخاطب معك بما يزكي اقترابك من الناس كل الناس.
مسؤولية الرئيس عبد ربه منصور التوجيه بعلاج ابن عثمان وكل جرحى الثورة.
مأساتنا في اليمن أن أصحاب الحق لا يطالبون بالحقوق، وإذا طالبوا بها لا يستجاب لهم. أما أهل الباطل المبندقون وما أكثرهم فينهبون الحقوق ويحصلون على الباطل وتطأطئ الدولة أو فلنقل الحكومة الرأس لهم. إنه زمن الحق الضائع كإبداع صلاح عبدالصبور شاعر العصور الحديثة.


رهاننا يا بن عثمان أن جذوة الثورة ما تزال مشتعلة، وأملنا كبير في أن تقتلع كل الأشجار اليابسة التي امتصت رواء الأرض، ونفت الخضرة وشوهت التربة.
كنت وما زلت الرفيق والأب والأخ كالماء المنساب بهدوء. يسقي الأرض والعقول والضمائر والوجدان دون ضجيج أو صخب.. إنك واحد من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. لم تتملق حاكماً. ولم تشهد زوراً. ارتقيت سلم محبة الناس. وأضأت بنور المحبة والعرفان درب شباب الثورة الشعبية السلمية. تحديت تجار الحروب ومرتزقة الفتن. كعالم اجتماع غرست قيم الحرية والعدالة والديمقراطية. وقدمت رؤية وفكراً عظيماً تتلمذ عليه طلاب الأمس علماء اليوم وهم قليلون كثيرون بالمعنى السموألي. فعمراً مديداً يا بن عثمان وشفاءً عاجلاً بحول الله.

حتى الجدران لا تنسى


جذور الثورة مشتعلة وإبداعها يوقظ الضمائر، ويفجر براكين الاحتجاج السلمي. ويلهب مشاعر الجدران ويخرج المقابر من صمتها. ويجرح سبات الموتى.
لم تهمد شعلة الثورة الشعبية السلامية، واهمون من يعتقدون أنهم قد احتووها. وأن اقتسام الأسلاب نهاية الثورة. والحقيقة أن الإبداع الزاهي الذي يقدمه مراد وهناء سبيع وفريقهما على جدران شوارع صنعاء للمختفين قسرياً هو ذروة إبداع الثورة ووفاؤها وإنجازها. فالمختفون قسرياً في الشمال وفي الجنوب، وفي الجنوب أكثرهم ضمير الثورة اليقظ. وهم بإطلالتهم من جدران صنعاء وغداً عدن وتعز والمكلا والحديدة وإب وذمار وصعدة وحجة والمحويت وكل مدن اليمن المتوثبة والمقاومة.
كان العزيز والصحفي المبدع سامي غالب وصحيفته النداء أول من أطلق شرارة إنذار البحث عن المخفيين قسرياً”. وكرس أكثر من صفحة وعدد لهؤلاء المختفين قسرياً. ولكن شباب الثورة مراد وهناء سبيع والفريق الفني التشكيلي نزلوا بالوجوه الثائرة إلى الميادين والشوراع رافعين أعلام إرادة الحياة والتحدي في وجه القتلة والمتخاذلين.
الوجوه المتحدية الآن ودوماً تقول للقتلة والجلاوزة نحن هنا. وتنذر الخاطفين والمعذبين والقتلة بيوم لا ريب فيه مؤكدة حياة المخفيين ومتوعدة خاطفيهم بالعدالة ولا شيء غير العدالة.
الحكام الظلمة أخفوا اليمن طويلاً. وأخفوا شعبها وأهلها. ويتوثبون الآن لإطالة أمد إخفاء وجوه المقاومين الثوار، تطل عليهم بإصرار وعناد إرادة الحياة لتكشف بشاعتهم وفساد ضمائرهم وأخلاقهم ولتقول بلسان عربي مبين وبكل لغات الإنسان إنهم قتلة وجلادون ومنتهكون لأبسط حق الإنسان في الحياة.
أبناء الحديدة يتذكرون ابنهم مطهر عبدالرحمن الإرياني الذي اعتقل في العام 82. وقد تعرض مطهر للاعتقال أكثر من مرة. ولكنه في المرة الأخيرة غيب تماماً وهددت عائلته: زوجته وعمه. لم يبق من أسرة مطهر غير ابنتين صغيرتين اعتقل معيلهما مات الجد والأم. ثلث قرن على إخفاء مطهر خرج من الاخفاء مشلولا وفاقد الذاكرة، الصورة المرسومة في شارع حدة هي صورة مطهر عبدالرحمن عبدالواسع والخطأ في الإسم (علي الإرياني) وأتمنى من العزيز مراد سبيع التكرم بتصحيح الإسم. كما أتمنى على العزيز عبدالسلام الإرياني وأسرته أن يجعلوا من ظهور مطهر وحالته الأليمة بلاغاً للنائب العام، وللرأي العام اليمني والعربي والدولي، وأن نصعد جميعاً الإدانة والاستنكار والمطالبة بفتح ملفات جرائم (الاختفاء القسري) في الشمال والجنوب. والتي تدفع القوى المستبدة والفاسدة في الشمال والجنوب للمزيد المزيد، فما يوحدنا كثير وكثير، والأهم الاصطفاف مع دعاة الثورة الشعبية السلمية في الحراك الجنوبي، وكل مدن اليمن، والانتصار للمختفين قسرياً، ولشهداء الثورة وجرحاها.
مؤسساتنا ومنظماتنا المدنية مطالبة بإيصال أصوات المخفيين قسرياً إلى كل المحافل الدولية والعدالة الانتقالية كالحصانة الجائرة لا محل لها من الإعراب إلا بمعرفة الجرائم، والإقرار والاعتراف، والإنصاف والتعويض العادل والمرضي. والعدالة إما أن تشمل الجميع أو لا تكون، ولكي تسهم في بناء يمن ومجتمع مدني ديمقراطي تكون فيه الكلمة الصادقة أقوى من كل ألوان وأنواع الأسلحة.


عن: الأولى
2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *